الجصاص
269
أحكام القرآن
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) [ براءة : 122 ] وتمكث طائفة منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالماكثون مع النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين يتفقهون في الدين وينذرون إخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزوات لعلهم يحذرون ما نزل من قضاء الله في كتابه وحدوده . قوله تعالى : ( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ) . قيل : ( في سبيل الله ) في طاعة الله ، لأنها تؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لأوليائه ، وقيل : دين الله الذي شرعه ليؤدي إلى ثوابه ورحمته ، فيكون تقديره : في نصرة دين الله تعالى . وقيل في الطاغوت : إنه الشيطان ، قاله الحسن والشعبي . وقال أبو العالية : " هو الكاهن " . وقيل : " كل ما عبد من دون الله " . وقوله تعالى : ( إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) الكيد هو السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال والقصد لإيقاع الضرر ، قال الحسن : " إنما قال : ( إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) لأنه كان أخبرهم أنهم يستظهرون عليهم ، فلذلك كان ضعيفا " . وقيل : إنما سماه ضعيفا لضعف نصرته لأوليائه بالإضافة إلى نصرة الله للمؤمنين . قوله تعالى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ، فإن الاختلاف على ثلاثة أوجه : اختلاف تناقض بأن يدعو أحد الشيئين إلى فساد الآخر ، واختلاف تفاوت وهو أن يكون بعضه بليغا وبعضه مرذولا ساقطا ، وهذان الضربان من الاختلاف منفيان عن القرآن ، وهو إحدى دلالات إعجازه ، لأن كلام سائر الفصحاء والبلغاء إذا طال مثل السور الطوال من القرآن لا يخلو من أن يختلف اختلاف التفاوت . والثالث : اختلاف التلاؤم ، وهو أن يكون الجميع متلائما في الحسن ، كاختلاف وجوه القراءات ومقادير الآيات واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ . فقد تضمنت الآية الحض على الاستدلال بالقرآن لما فيه من وجوه الدلالات على الحق الذي يلزم اعتقاده والعمل به . قوله تعالى : ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) قال الحسن وقتادة وابن أبي ليلى : " هم أهل العلم والفقه " ، وقال السدي : " الأمراء والولاة " . قال أبو بكر : يجوز أن يريد به الفريقين من أهل الفقه والولاة لوقوع الاسم عليهم جميعا . فإن قيل : أولو الأمر من يملك الأمر بالولاية على الناس ، وليست هذه صفة أهل العلم . قيل له : إن الله تعالى لم يقل " من يملك الأمر بالولاية على الناس " وجائز أن يسمي الفقهاء أولي الأمر لأنهم يعرفون أوامر الله ونواهيه ويلزم غيرهم قبول قولهم فيها ، فجائز أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه كما قال في آية أخرى : ( ليتفقهوا